رياضة
27.05.22

السرطان الذي يفتك بالملاعب التونسية

من الظواهر السلبية والمنتشرة بنطاق واسع في الملاعب والقاعات والفضاءات الرياضية عبر العالم هي العنف وإثارة الشغب، وقد انتشر هذا الوباء في كافة أنحاء العالم في وقت يتزايد منسوبه في دول كثيرة أبرزها تونس التي لا زالت تعيش على وقع اصطدامات عنيفة، لتبلغ ذروتها من جديد مع الأحداث العنيفة التي جدت في نهائي كأس تونس لكرة اليد الذي جمع قطبي العاصمة الترجي الرياضي والنادي الإفريقيّ، وتم ايقافه بعد مرور 10 دقائق فقط من اللعب.

 ظاهرة الفوضى والعنف عادت لتطفو على السطح مجددا في الملاعب والقاعات الرياضية في تونس مع العودة التدريجية للجماهير بعد سنوات طويلة من مدرجات فارغة وخالية لأسباب أمنية وأخرى صحية مع تفشي فيروس كورونا، ما أثر ماديا على وضع الجمعيات الرياضية وقلص من روح الإثارة والتنافس.

هذا ويعتبر تاريخ 31 مارس 2018، منعرجا مهما في العلاقة بين جمهور الأندية التونسية والأمنيين، حين غرق مشجع النادي الإفريقي عمر العبيدي في وادي مليان في محيط ملعب رادس اثناء مطاردة أمنيين له ولعدد من أحباء الإفريقي.

أطلقت بعدها جماهير النادي الإفريقي حملة "تعلم عوم" ثم تصدرت أغنية "عمر حي ان شاء الله في الجنة" مدرجات عديد الملاعب التونسية دعماً لعائلة عمر الذي بات يمثل أيقونة الجماهير.

#Omour_Jedia S03 Ep27 | إلى روح عمر العبيدي #عملتوا_العام

تمدد العنف بسرعة

 يرى الكثير من المهتمين والمتابعين لكرة القدم التونسية أن شرارة العنف الأولى وفوضى الملاعب انطلقت سنة 1999، إثر مواجهات عنف دامية بين أنصار الترجي الرياضي والأولمبي الباجي بملعب باجة، ثم تبعتها أحداث متفرقة في السنوات الموالية، لتتوسع وتتسرب شيئا فشيئا حتى إلى القاعات الرياضية بشكل لافت للانتباه خاصة هذا العام، حيث لم تخلو مختلف النشاطات في كل الأقسام من تبادل للعنف المادي والمعنوي، ما خلف أضرارا كبيرة، وزاد من توتر العلاقات، في وقت أخذت فيه ظاهرة العنف منحى خطيرا بانسياق اللاعبين والمدربين وراء التيار.

 تكررت أحداث العنف بالمنشآت الرياضية إذ شهدت مباراة النادي الصفاقسي والنجم الساحلي لكرة الطائرة في أفريل الماضي أحداث عنف بين اللاعبين، ما دفع اتحاد اللعبة إلى تسليط عقوبات صارمة على الطرفين من ثم إيقاف نشاط هذا العام حتى بداية الموسم المقبل.

هذا وباتت المناوشات بين قوات الأمن والمشجعين في البطولة التونسية لكرة القدم ظاهرة متفشية بقوة، حيث لا تخلو مختلف المواجهات قبل وأثناء وبعد انطلاقها من أحداث كر وفر، وتوسع الأمر ليصل حتى لنوافذ بيع التذاكر، عبر رشق للحجارة والقوارير واستعمال الغاز المسيل للدموع.

في كرة اليد، أصبح من الصعب تأمين مواجهات القمة بين الثلاثي الترجي الرياضي والنادي الإفريقي والنجم الساحلي، حيث تكررت نفس المشاهد رغم الدعوة إلى التهدئة.

تجددت الظاهرة في نهائي البطولة التونسية لكرة السلة بين الاتحاد المنستيري والزهراء الرياضية، عندما اشتبك مشجعون للفريقين وتم استعمال الغاز المسيل للدموع في محاولة لفرض النظام، مما أسفر عن اختناق عدد من المشجعين واللاعبين.

عدوى العنف ضرب أيضا رياضة كرة الماء، إذ اندلع عنفا في أعقاب مباراة نهائي البطولة بين المرسى وبن عروس شارك فيه اللاعبون والمسؤولون، وأسفرت عن إصابات خطيرة، وجاءت القرارات بعد ذلك قوية عبر حجب لقب بطولة هذا الموسم، وإقصاء الناديين من المشاركة، والإيقاف عن النشاط الرياضي نهائيا لعدد من اللاعبين والمسيرين من الطرفين.

ظاهرة اجتماعية تتجاوز كرة القدم

لا يمكن الحديث عن العنف في الملاعب دون العودة إلى كونه ظاهرة مجتمعية كما يرى ذلك عدد كبير من الباحثين ورواد علم الإجتماع، حيث تتغذى فوضى الملاعب وشغب الجماهير من عوامل اجتماعية وحتى اقتصادية وسياسية في بعض الأحيان، ليكون صورة ومرآة عاكسة لواقع الشباب التونسي –المجتمعي بدرجة أولى.

عوامل خارجية كثيرة تتداخل في تنامي العنف والفوضىي بالملاعب التونسية، والتي تبدو كونها مرتبطة أساسا بالأوضاع الاقتصادية والمعيشية والأسرية، حيث علق منجي الزيدي استاذ التعليم العالي بجامعة تونس حول ظاهرة العنف في الملاعب قائلا "مُدرّجات الملاعب تحولت من فضاء فرجة إلى ركح كبير تَعرض فيه جماهيرُ الشّباب مظاهرَ غضبها ويأســِهــا وتُفجّر فيه كَبتَها". 

لم يعد يخفى على أحد أن جل المنخرطين والمثيرين للشغب والعنف، هم مراهقون وشباب، وقد لا يتوفرون على آفاق مستقبلية، ويعيش البعض منهم مظاهر التهميش والإقصاء خاصة الوافدين من الأحياء الشعبية الفقيرة في تونس الكبرى.

من زاية ثانية، تتعدد أسباب العنف في الملاعب التونسية داخل المستطيل الأخضر بينها أخطاء الحكام التي قد تصدر عنهم والتي تعتبرها الجماهير مبررا للعنف خاصة إذا كانت أخطاءا جسيمة تغير مجرى المباراة، مع استفزاز اللاعبين للجماهير، ومنعهم من التنقل في بعض الأحيان إلى الملاعب.

يرى البعض الأخر أن سبب العنف في الملاعب، يكمن في وجود نوع من التوجه العام الذي لا يشجع على الرياضة كنوع من الترويح والترفيه، في وقت تتسلق فيه الخطابات التي تشجع على التعصب والتشنج والتحمس الشديد، خاصة عبر منصات التواصل الاجتماعي التي باتت تمثل مصدر قوة وتأثير أكثر من وسائل الإعلام التقليدية حتى.

 لئن صدرت جملة من القرارات الصارمة لإنهاء العنف في ملاعب تونس، خاصة بحرمان عدد كبير من الأندية من جماهيرها واللعب خلف مدارج شاغرة، مع عقوبات وصلت حتى الشطب النهائي للاعبين والمسؤولين، وعدم السماح بالدخول للملاعب والقاعات الرياضية لمن سنهم دون 18 سن، فإن ذلك لم ينهي حالة الفوضى وتراكمت المواجهات من ملعب إلى أخر.

 

مقالات ذات صلة